الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
228
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" ننكسه " من مادة " تنكيس " وهو قلب الشئ على رأسه . وهي هنا كناية عن الرجوع الكامل للإنسان إلى حالات الطفولة . فالإنسان منذ بدء خلقته ضعيف ، ويتكامل تدريجيا ويرشد ، وفي أطواره الجنينية يشهد في كل يوم طورا جديدا ورشدا جديدا ، وبعد الولادة - أيضا - يستمر في مسيره التكاملي جسميا وروحيا وبسرعة ، وتبدأ القوى والاستعدادات التي أخفاها الله في أعماق وجوده بالظهور تدريجيا الواحدة تلو الأخرى ، في طور الشباب ، ثم طور النضج ، ليبلغ الإنسان أوج تكامله الجسمي والروحي . وهنا تنفصل الروح عن الجسد في تكاملها ونموها ، فتستمر في تكاملها في حال أن الجسد يشرع بالنكوص ، ولكن العقل في النهاية يبدأ هو الآخر بالتراجع أيضا ، فيعود تدريجيا - وأحيانا بسرعة - إلى مراحل الطفولة ، ويتساوق ذلك مع الضعف البدني أيضا ، مع الفارق طبعا ، فالآثار التي تتركها حركات وروحيات الأطفال على النفس هي الراحة والجمال والأمل ولهذا فهي مقبولة منهم ، ولكنها من أهل الشيخوخة ، قبيحة ومنفرة ، وفي بعض الأحيان قد تثير الشفقة والترحم ، فالشيخوخة أيام عصيبة حقا ، يصعب تصور عمق آلامها . في الآية ( 5 ) سورة الحج أشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى ، قائلا : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا . لذا فقد ورد في بعض الروايات أن من جاوز السبعين حيا فهو " أسير الله في الأرض " ( 1 ) . وعلى كل حال فإن جملة أفلا يعقلون تشع تنبيها عجيبا بهذا الخصوص ، وتقول للبشر : إن هذه القدرة والقوة التي عندكم لو لم تكن على سبيل " العارية " لما أخذت منكم بهذه البساطة . اعلموا أن فوقكم يد قدرة أخرى قادرة على كل
--> 1 - ورد هذا الحديث في سفينة البحار مادة ( عمر ) .